فصل: في رياض آيات السورة الكريمة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال حميدان دعاس:

سورة البينة:
بسم الله الرحمن الرحيم

.[سورة البينة: آية 1]

{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1)}
{لَمْ يَكُنِ} مضارع ناقص مجزوم بـ: {لم} {لَّذِينَ} اسم يكن والجملة ابتدائية لا محل لها {كَفَرُوا} ماض وفاعله والجملة صلة {مِنْ أَهْلِ} متعلقان بمحذوف حال {الْكِتابِ} مضاف إليه {وَالْمُشْرِكِينَ} معطوف على أهل {مُنْفَكِّينَ} خبر يكن {حَتَّى} حرف غاية وجر {تَأْتِيَهُمُ} مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والهاء مفعول به {الْبَيِّنَةُ} فاعل والمصدر المؤول من أن والفعل في محل جر بحتى والجار والمجرور متعلقان بـ: {منفكين}.

.[سورة البينة: آية 2]

{رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2)}
{رَسُولٌ} بدل من {البينة} {مِنَ اللَّهِ} متعلقان بـ: {رسول} {يَتْلُوا} مضارع فاعله مستتر {صُحُفًا} مفعول به {مُطَهَّرَةً} صفة والجملة صفة {رسول}.

.[سورة البينة: آية 3]

{فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3)}
{فِيها} الجار ومجرور خبر مقدم {كُتُبٌ} مبتدأ مؤخر {قَيِّمَةٌ} صفة والجملة صفة {صحفا}.

.[سورة البينة: آية 4]

{وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4)}
{وَما} الواو حرف استئناف {ما} نافية {تَفَرَّقَ الَّذِينَ} ماض وفاعله والجملة مستأنفة لا محل لها.
{أُوتُوا} ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل {الْكِتابَ} مفعول به والجملة صلة {إِلَّا} حرف حصر {مِنْ بَعْدِ} متعلقان بتفرق {ما جاءَتْهُمُ} ما مصدرية وماض ومفعوله {الْبَيِّنَةُ} فاعل والمصدر المؤول من ما والفعل في محل جر بالإضافة.

.[سورة البينة: آية 5]

{وَما أمروا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)}
{وَما} الواو حالية {ما} نافية {أمروا} ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة حال {إِلَّا} حرف حصر {لِيَعْبُدُوا} مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل والمصدر المؤول من أن والفعل في محل جر باللام والجار والمجرور متعلقان بـ: {أمروا} {اللَّهَ} لفظ الجلالة مفعول به {مُخْلِصِينَ} حال {لَهُ} متعلقان بما قبلهما {الدِّينَ} مفعول به لاسم الفاعل {مخلصين} {حُنَفاءَ} حال ثانية {وَيُقِيمُوا} معطوف على يعبدوا منصوب مثله {الصَّلاةَ} مفعول به {وَيُؤْتُوا} معطوف على يعبدوا أيضا منصوب مثله {الزَّكاةَ} مفعول به {وَذلِكَ دِينُ} مبتدأ وخبره {الْقَيِّمَةِ} مضاف إليه والجملة مستأنفة لا محل لها.

.[سورة البينة: آية 6]

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)}
{إِنَّ الَّذِينَ} إن واسمها {كَفَرُوا} ماض وفاعله والجملة صلة {مِنْ أَهْلِ} متعلقان بمحذوف حال {الْكِتابِ} مضاف إليه {وَالْمُشْرِكِينَ} معطوف على ما قبله {فِي نارِ} خبر إن وجملة {إن الذين..} مستأنفة لا محل لها.
{جَهَنَّمَ} مضاف إليه {خالِدِينَ} حال {فِيها} متعلقان بما قبلهما {أُولئِكَ} مبتدأ {هُمْ} ضمير فصل {شَرُّ الْبَرِيَّةِ} خبر المبتدأ مضاف إلى {البرية} والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها.

.[سورة البينة: آية 7]

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)}
{إِنَّ الَّذِينَ} إن واسمها {آمَنُوا} ماض وفاعله والجملة صلة {وَعَمِلُوا} معطوف على {آمنوا} {الصَّالِحاتِ} مفعول به {أُولئِكَ} مبتدأ {هُمْ} ضمير فصل {خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} خبر المبتدأ مضاف إلى {البرية} والجملة الاسمية خبر {إن} وجملة {إن الذين..} مستأنفة لا محل لها.

.[سورة البينة: آية 8]

{جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)}
{جَزاؤُهُمْ} مبتدأ {عِنْدَ} ظرف مكان {رَبِّهِمْ} مضاف إليه {جَنَّاتُ عَدْنٍ} خبر مضاف إلى {عدن}، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها {تَجْرِي} مضارع مرفوع {مِنْ تَحْتِهَا} متعلقان بالفعل {الْأَنْهارُ} فاعل والجملة الفعلية صفة {خالِدِينَ} حال {فِيها} متعلقان بـ: {خالدين} {أَبَدًا} ظرف زمان {رَضِيَ اللَّهُ} ماض وفاعله {عَنْهُمْ} متعلقان بالفعل والجملة مستأنفة لا محل لها.
{وَرَضُوا عَنْهُ} معطوف على ما قبله {ذلِكَ} مبتدأ {لِمَنْ} متعلقان بمحذوف خبر والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها {خَشِيَ رَبَّهُ} ماض ومفعوله والفاعل مستتر والجملة صلة من لا محل لها. اهـ.

.فصل في تخريج الأحاديث الواردة في السورة الكريمة:

قال الزيلعي:
سورة لم يكن:
حديث واحد:
1521- عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ سُورَة لم يكن كَانَ يَوْم الْقِيَامَة من خير الْبَريَّة مسَاء وَمَقِيلا».
قلت رَوَاهُ الثَّعْلَبِيّ من طَرِيق ابْن أبي دَاوُد ثَنَا مُحَمَّد بن عَاصِم ثَنَا شَبابَة ابْن سوار ثَنَا مخلد بن عبد الواحد بالسند الَّذِي قبله وَبِهَذَا الْمَتْن.
وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره بسنديه فِي آل عمرَان وَقال فِي الأول «مسَاء وَمَقِيلا» وَفِي الثَّانِي «سَاكِنا وَمَقِيلا».
وَرَوَاهُ الواحدي فِي تَفْسِيره الْوَسِيط بِسَنَدِهِ فِي يُونُس وَقال: «مُسَافِرًا وَمُقِيمًا» وَهَذَا اخْتِلَاف. اهـ.

.فصل في ذكر آيات الأحكام في السورة الكريمة:

قال إلكيا هراسي:
ومن سورة البينة:
قوله تعالى: {وَما أمروا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، الآية/ 5:
يدل على وجوب النية في العبادات، لأن الإخلاص عمل القلب، وهو أن يريد وجه اللّه تعالى بالعمل، ولا يراد غيره به أصلا. اهـ.

.فصل في التفسير الموضوعي للسورة كاملة:

قال محمد الغزالي:
سورة البينة:
هذه السورة فسرها التاريخ العام. فالناظر في خريطة العالم خلال القرن السادس الميلادى. يرى أن الشمال الإفريقى وغرب آسيا كانا مليئين بالنصارى يحكمهم الرومان، وأن ما وراء ذلك من أرض الله الواسعة كان مليئا بالمشركين حتى الهند والصين.. فلما جاء القرن السابع، تغيرت الدنيا، وما انتهى هذا القرن حتى كانت أقطار المغرب كلها ووادى النيل والأناضول والشام واليمن تفور بالإسلام، ويتعالى الأذان في القارتين القديمتين! إن النصارى المخلصين استقبلوا الإسلام بترحاب ودخلوا فيه برغبة، ورأوا في نبوة محمد تحقيق ما رأوه في كتبهم. وقد صور الإسلام هذا في سورة الإسراء {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا}. كما جاء في سورة الرعد: {والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب}. وفى سورة العنكبوت {وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به}، يعنى من مشركى العرب!! والواقع التاريخى يؤكد أن امتداد الإسلام كان عظيما على الرقعة المسيحية، وأن توقفه بعد ذلك يعود لظروف داخلية لا مكان هنا لشرحها. وكما دخل النصارى في الإسلام دخل المجوس والبوذيون ووثنيون كثير.. كيف تم هذا؟ إنه أثر القرآن الكريم! {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين}- تاركى عقائدهم الأولى- {حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة}. والقرآن قدير على تكرار تاريخه إذا وجد من يعرضه فطرة وفكرا وحضارة وطهارة، وهى صفات تنقص مسلمى اليوم!! ومع ذلك فمن الناس من يعرف الحق، ولكن يقدم عليه مصلحته وهواه. ومن أهل الكتاب القدامى والجدد من يبيع دينه بعرض من الدنيا، ومنهم من قتل الأنبياء، وعذب المصلحين وطاردهم حيث ظهروا. ونحن نتابع تواريخ رجال الدين- من كل ملة- فنجد المآسى.
{وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}. ويظهر أن استنارة العقل لا تستلزم استنارة القلب، وأن الله قد يعذر أصحاب فكر محدود ولكنه لا يعذر أصحاب هوى غالب ونية مغشوشة! ومن حراس الشعائر الدينية من يستعبدهم الشح المطاع والأثرة الجامحة، والله أعلم بسرائر الناس {والله يعلم المفسد من المصلح}. وهو يقول في هذه السورة {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية}. ولست أخاف من الله أن يظلم أحدا.. فهذا مستحيل! إنما أخاف من الله ألا يقبل توبة وأن يحبس فضله. وهذا الخوف الأخير مردود، لأنه غافر الذنب وقابل التوب، وما يهلك على الله إلا هالك.. وقد ختمت السورة بوعد حسن للمؤمنين الصالحين على شرط أن يراقبوا الله ويصطبغوا بخشيته.
{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه}. إن الجيل الذي غير العالم قديما كان نموذجا حيا للقرآن، كان إذا دخل بلدا أسرعت إليه العدالة والرحمة، ووجد الضعفاء في كنفه الكرامة والقوة! أما الآن فإن دار الإسلام لها شأن آخر. اهـ.

.في رياض آيات السورة الكريمة:

.فصل في أسرار ترتيب السورة:

قال السيوطي:
سورة لم يكن:
أقول: هذه السورة واقعة موقع العلة لما قبلها، كأنه لما قال سبحانه: {إِنّا أَنزلناهُ} قيل: لم أنزل؟ فقيل لأنه لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم، حتى تأتيهم البينة، وهو رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة وذلك هو المنزل وقد ثبتت الأحاديث بأنه كان في هذه السورة قرآن نُسخ رسمه وهو: إنا أنزلنا المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم واديا لابتغى إليه الثاني، ولو أن له الثاني لابتغى إليه الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب وبذلك تشتد المناسبة بين هذه السورة وبين ما قبلها، حيث ذكر هناك إنزال القرآن، وهنا إنزال المال، وتكون السورتان تعليلًا لما تضمنته سورة اقرأ، لأن أولها ذكر العلم، وفي أثنائها ذكر المال فكأنه قيل: إنا لم ننزل المال للطغيان والاستطالة والفخر، بل ليستعان به على تقوانا، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. اهـ.

.تفسير الآيات (1- 5):

قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أمروا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
{بسم الله} الذي له العلو المطلق فلا يخرج شيء عن مراده {الرحيم} الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه جميع عباده {الرحيم} الذي خص أهل وداده بالأعمال الصالحةى المتكلفة بإنجاء العامل بها وإسعاده.
لما أخبر سبحانه وتعالى أن الليلة الشريفة التي صانها بنوع خفاء في تنزل من يتنزل فيها وفي تعيينها لا تزال قائمة على ما لها من تلك الصفة حتى يأتي الفجر الذي يحصل به غاية البيان، أخبر أن أهل الأديان سواء كان لها أصل من الحق أم لا لم يصح في العادة الجارية على حكمة الأسباب في دار الأسباب أن يتحولوا عما هم فيه إلا بسبب عظيم يكون بيانه أعظم من بيان الفجر، وهو القرآن المذكور في القدر والرسول المنزل عليه ذلك فقال: {لم يكن} أي في مطلق الزمان الماضي والحال والاستقبال كونًا هو كالجبلة والطبع، وهذا يدل على ما كانوا عليه قبل ذلك من أنهم يبدلون ما هم عليه من الكفر أو الإيمان بكفر أو بدعة ثم لا يثبتون عليه لأن ذلك ليس في جبلاتهم، وإنما هو خاطر عارض كما هو محكيّ عن سيرتهم من بعد موسى عليه الصلاة والسلام لما كانت تسوسهم الأنبياء عليهم السلام كما دل على بعض ذلك قوله تعالى: {فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا} [المائدة: 71] وكذا المشركون كانوا يبدلون دين إسماعيل عليه الصلاة والسلام ولا ينفصلون عنه بالكلية، وتارة يعبدون الأصنام، وتارة الملائكة، وأخرى الجن، ولم يكونوا يثبتون على حالة واحدة ثباتًا كليًا مثل ثباتهم على الإسلام بعد مجيء البينة ونسيانهم أمور الجاهلية بالكلية حتى نسوا الميسر، فلم يكن أحد من أولادهم يعرف كيفيته وكذا السائبة وما معها وغيرها ذلك من خرافاتهم {الذين كفروا} أي سواء كانوا عريقين في الكفر أم لا.
ولما كان العالم أولى باتباع الحق وأشد جرمًا عند فعل ما يقتضي اللوم، بدأ بقوله: {من أهل الكتاب} أي من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم حقًا، فألحدوا فيه بالتبديل والتحريف والاعوجاج في صفات الله تعالى، ثم نسخه الله تعالى بما شرع من مخالفته في الفروع وموافقته في الأصول فكذبوا {والمشركين} أي بعبادة الأصنام والنار والشمس ونحو ذلك ممن هم عريقون في دين لم يكن له أصل في الحق بأن لم يكن لهم كتاب {منفكين} أي منفصلين زائلين عما كانوا عليه من دينهم انفكاكًا يزيلهم عنه بالكلية بحيث لا يبقى لهم به علقة، ويثبتون على ذلك الانفكاك، وأصل الفك الفتح والانفصال لما كان ملتحمًا، من فك الكتاب والختم والعظم- إذا زايل ما كان ملتصقًا ومتصلًا به، أو عما في أنفسهم من ظن اتباع الحق إذا جاءهم الرسول المبشر به بما كان أهل الكتاب يستفتحون به والمشركون يقسمون بالله جهد أيمانهم {لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم} [فاطر: 42] فيصيروا بذلك أحزابًا وفرقًا {حتى} أي إلى أن {تأتيهم} عبر بالمضارع لتجدد البيان في كل وقت بتجدد الرسالة والتلاوة {البينة} أي الآية التي هي في البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي إلا ظهورًا وضياء ونورًا، وذلك هو الرسول وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب سواء كان التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو الفرقان، ولذلك أبدل منها قوله: {رسول} أي عظيم جدًا، وزاد عظمته بقوله واصفًا له: {من الله} أي الذي له الجلال والإكرام {يتلوا} أي يقرأ قراءة متواترة ذلك الرسول بعد تعليمنا له {صحفًا} جمع صحيفة وهي القرطاس والمراد ما فيها، عبر بها عنه لشدة المواصلة {مطهرة} أي هي في غاية الطهارة والنظافة والنزاهة من كل قذر بما جعلنا لها من البعد من الأدناس بأن الباطل من الشرك بالأوثان وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها وأنها لا يمسها إلا المطهرون، وقراءته وإن كان أميًا لمثل ما فيها قراءة لها.
ولما عظمه بأن وصف صحفه التي هي محل المكتوب بالطهارة، بين سبب ذلك فقال: {فيها} أي تلك الصحف {كتب} جمع كتاب أي علوم هي لنفاستها حقيقة بأن تكتب {قيمة} أي هي في غاية الاستقامة لنطقها بالحق الذي لا مرية فيه ليس فيها شرك ولا عوج بنوع من الأنواع، فإذا أتتهم هذه البينة انفكوا وانفكاكهم أنهم كانوا مجتمعين قبل هذا، أهل الكتاب يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم لما عندهم من البشائر الصريحة به، والمشركون يقولون: لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم، ويقولون: نحن نعرف الحق لأهله ولا ندفعه بوجه، فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بما لا شبهة فيه تفرقوا، فبعضهم آمن وبعضهم كفر.
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هي من كمال ما تقدمها لأنه لما أمره عليه الصلاة والسلام بقراءة كتابه الذي به اتضحت سبيله وقامت حجته، وأتبع ذلك بالتعريف بليلة إنزاله وتعظيمها بتعظيم ما أهلت له مما أنزل فيها، أتبع ذلك بتعريفه صلى الله عليه وسلم بأن هذا الكتاب هو الذي كانت اليهود تستفتح به على مشركي العرب وتعظم أمره وأمر الآتي به، حتى إذا حصل ذلك مشاهدًا لهم كانوا هم أول كافر به، فقال تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} إلى قوله: {وذلك دين القيمة} وفي التعريف بهذا تأكيد ما تقدم بيانه مما يثمر الخوف وينهج بإذن الله التسليم والتبرؤ من ادعاء حول أو قوة، فإن هؤلاء قد كانوا قدم إليهم في أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وقد كانوا إليهم في أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، وقد كانوا يؤملون الانتصار به عليه الصلاة والسلام من أعدائهم ويستفتحون بكتابه، فرحم الله من لم يكن عنده علم منه كأبي بكر وعمر وأنظارهما رضى الله عنهم أجمعين، وحرم هؤلاء الذين قد كانوا على بصيرة من أمره وجعلهم بكفرهم شر البرية، ورضي عن الآخرين ورضوا عنه، وأسكنهم في جواره ومنحهم الفوز الأكبر والحياة الأبدية وإن كانوا قبل بعثه عليه الصلاة والسلام على جهالة وعمى، فلم يضرهم اذا قد سبق لهم في الأزل {أولئك هم خير البرية} انتهى.
ولما كان التقدير: فإذا أتتهم انفكوا، فلقد تفرق المشركون بعد إتيانك وأنت البينة العظمى إليهم إلى مهتد وضال، والضال إلى مجاهر ومساتر، وكذا أهل الكتاب، ثم ما اجتمع العرب على الهدى إلا من بعد ما جاءتهم البينة، عطف على هذا الذي أفهمه السياق قوله معلمًا بزيادة القبح في وقوع الذنب من العالم بإفرادهم بالتصريح عن المشركين: {وما تفرق} أي الآن وفيما مضى من الزمان تفرقًا عظيمًا {الذين} ولما كانوا في حال هي أليق بالإعراض، بنى للمفعول قوله: {أوتوا الكتاب} أي عما كانوا عليه من الإطباق على الضلال أو الوعد باتباع الحق المنتظر في محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا كان فعلهم في عيسى صلى الله عليه وسلم من قبل، فاستمر بعضهم على الضلال وبالغ في نقض العهد والعناد، ووفى بعض بالوعد فاهتدى، وكان تفرقهم لم يعد تفرقًا إلا زمنًا يسيرًا، ثم اجتمعوا فلم يؤمن منهم من يعد خلافته لباقيهم تفرقًا لكونه قليلًا من كثير، فلذلك أدخل الجارّ فقال: {إلا من بعد} وكان ذلك الزمن اليسير هو بإسلام من أسلم من قبائل العرب الذين كانوا قد أطبقوا على النصرانية من تنوخ وغسان وعاملة وبكر بن وائل وعبد القيس ونحوهم وكذا من كان تهود من قبائل اليمن وأسلم، ثم أطبق اليهود والنصارى على الضلال فلم يسلم منه إلى من لا يعد لقلته مفرقًا لهم {ما} أي الزمن الذي {جاءتهم} فيه أو مجيء {البينة} فكان حالهم كما قال سبحانه: {وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} [البقرة: 89] وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم على الحق، لا تفرقهم فيه، وكأنه أشار إلى المشركين بالعاطف ولم يصرح بذكرهم لأنهم كانوا عكس أهل الكتاب لم يتفرقوا إلا زمنًا يسيرًا في أول الأمر، فكان الضال منهم أكثر، ثم أطبقوا على الهدى لما لهم من قويم الطبع ومعتدل المزاج، فدل ذلك على غاية العوج لأهل الكتاب لأنهم كانوا لما عندهم من العلم أولى من المشركين بالاجتماع على الهدى، ودل ذلك على أن وقوع اللدد والعناد من العالم أكثر، وحصوله الآفة لهم من قوة ما لطباعهم من كدر النقص بتربيته وتنميته بالمعاصي من أكل السحت من الربا وغيره من الكبائر والتسويف بالتوبة، فألفت ذلك أبدانهم فأشربته قلوبهم حتى تراكم ظلامها، وتكاثف رينها وغمامها، فلما دعوا لم يكن عندهم شيء من نور تكون لهم به قابلية الانقياد للدعاء.
ولما كان حال من ضل على علم أشنع، زاد في فضيحتهم فقال: {وما} أي فعلوا ذلك والحال أنهم ما.
ولما كان المقصود بروز الأمر المطاع، لا تعيين الأمر، قال بعد وصف الصحف بأنه ثبت أنها قيمة بانيًا للمفعول: {أمروا} أي وقع أمرهم بما أمروا به ممن إذا أطلق الأمر لم يستحق أن ينصرف إلا إليه، في تلك الكتب التي وجب ثبوت اتباعها وأذعنوا له {إلا ليعبدوا} أي لأجل أن يعبدوا {الله} أي الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره بأن يوجدوا عبادته ويجددوها في كل وقت، والعبادة امتثال أمر الله تعالى كما أمر على الوجه المأمور به من أجل أنه أمر، مع المبادرة بغاية الحب والخضوع والتعظيم، وذلك مع الاقتصاد لئلا يمل الإنسان فيخل أو يحصل له الإعجاب فتفسد عبادته، حال كونهم {مخلصين} أي ثابتًا غاية الثبات إخلاصهم {له الدين} بحيث لا يكون فيه شوب شيء مما يكدره من شرك جلي ولا خفي بأن يكون الامتثال لكونه أمر لرضاه لا لشي من نفع ولا دفع، ويكون ذلك على الصواب، فإن كثيرًا من العاملين يكون مخلصًا، ويكون بناؤه بغير أساس صالح، فلا ينفعه بل يكون وبالًا عليه، فإنه ضيع الأصل كالرهبان وكذا كثير ممن يعتقد ولاية شخص وهو لا يعرف أن يميز بين الولي والعدو والمكرم والمستدرج، وحقيقة الإخلاص بأنه إفراد الحق في الطاعة بالقصد مع نسيان الخلق في الأعمال والتوصل إليه بالتوقي من ملاحظتهم مع التنقي عن مطالعة النفس برؤية العبد نفسه عبدًا مأمورًا لا يريد ثوابًا، جاعلًا كل شيء وسيلة إلى الله، وعلامته عدم رؤية العمل، ويعرف ذلك بالخوف وعدم الالتفات إلى طلب الثواب، وبالحياء منه لكونه يرى أنه ما قام بحق السيد على ما ينبغي كما قال تعالى: {يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: 60] قال القشيري: ويقال: الإخلاص تصفية العمل من الخلل، وقال الرازي: الإخلاص النية الصافية لأن النية دائمة، والعمل ينقطع، والعمل يحتاج إلى النية، والنية لا تحتاج إلى العمل، ولأجل ما أفهمه التعبير بالاسم من التمكن والثبات أكده بقوله: {حنفاء} أي في غاية الميل مع الدليل إلى القوم بحيث لا يكون عندهم اعوجاج أصلًا، بل مهما حصل أدنى زيغ عرضوه على الدليل فمالوا معه بما لهم من الحنف فقادهم إلى الصلاح فصاروا في غاية الاستقامة، وتلك هي العبادة الإحسانية، وأصل الحنف في اللغة: الميل، قال الملوي: وخصه العرف بالميل إلى الخير، ولذا سمي الأحنف بن قيس لميل في رجليه إلى داخل من جهة القدام إلى الوراء، وسموا الميل إلى الشر إلحادًا، فالحنيف المطلق الذي يكون متبرئًا عن أصول الملل الخمس: اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين، وعن فروعها من جميع النحل إلى الاعتقادات الحقة، وعن توابعها من الخطايا والسيئات إلى العمل الصالح وهو مقام التقى، وعن المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأول من الورع، وعن الفضول شفقة على خلق الله وهو ما لا يعني إلى الذي يعني، وهو المقام الثاني من الورع، وعما يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد، فالآية جامعة لمقامي الإخلاص الناظر أحدهما إلى الحق، والثاني إلى الخلق، فالإخلاص لمقام المشتغل بالمصفى له لأنه إفراد الحق بالقصد في الطاعة، والخوف لمقام المشتغل بالمصفى منه لأنه الميل عن سائر المخلوقات إلى الله تعالى وإلى ما يرضيه.
ولما ذكر أصل الدين، أتبعه الفروع، فبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين وموضع التجرد عن العوائق فقال: {ويقيموا} أي يعدلوا من غير اعوجاج ما، بجميع الشرائط والأركان والحدود {الصلاة} لتصير بذلك أهلًا لأن تقوم بنفسها، وهي التعظيم لأمر الله تعالى.
ولما ذكر صلة الخالق، أتبعها وصلة الخلائق فقال: {ويؤتوا الزكاة} أي بأن يحضروها لمستحقيها شفقة على خلق الله إعانة على الدين، ولكنهم حرفوا ذلك وبدلوه بطباعهم المعوجة، وتدخل الزكاة عند أهل الله في كل ما رزق الله من عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل ووجاهة وغير ذلك- كما هو واضح من قوله تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3- والأنفال:- 3].
ولما كان هذا دينًا حسنًا بينًا فضلوا عنه على ما عندهم من الأدلة، زاد في توبيخهم بمدحه فقال: {وذلك} أي والحال أن هذا الموصوف من العبادة على الوجه المذكور الذي هو في غاية العلو والخير {دين القيمة} أي الملة أو النفوس أو الكتب التي لا عوج فيها، وهو على الأول من إضافة الموصوف إلى الصفة، وعن الخليل أنه قال: هو جمع قيم، والقيم والقائم واحد، والمعنى دين القائمين لله تعالى بالتوحيد، ودل على ما قدرته في أمر المشركين بذكرهم في نتيجة ما مضى في قوله مؤكدًا لأجل إنكارهم. اهـ.